تمرّ علينا ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) وأصحابه (رض) في أيام محرم الحرام، هذه الذكرى التي اكتسبت خلودا لخلود ما تضمنته من مبادئ وقيم، فكم الثورات التي قامت عبر التاريخ لكنها ـوبرغم تميز كثير منهاـ إلا أنها لم تتناقلها الأجيال بصورة تناقلها لثورة الإمام الحسين (ع)، ولعل ذلك يعود إلى شخص الإمام سلام الله عليه، إذ دخول شخصية تمتلك كل المقومات والصفات الشبيهة بشخصية الرسول(ص) لا شك أن له أثرا بالغا وإنعكاسا كبيرا على طبيعة الموضوع.
وينبغي أن نفهم أننا عندما نشير إلى شخصية الإمام (ع) لا نشير إلى شخص بما هو هو لنقصر أنظارنا عليه بشكل شخصي، وإنما نعتقد أن شخصية الإمام سلام الله عليه شخصية تجسد الحق والحقيقة ولا تفترق عنه، إذ لا يمكن في لحظة أن نشير فيها إلى الإمام بإشارة ونشير للحق بإشارة في جهة اخرى، وإنما الإشارة التي نشير بها للإمام هي في الحقيقة إشارة إلى الحق بعينه، إذ شخصية المعصوم لا يمكن أن تفترق عن الحق في لحظة من اللحظات.
ولذلك فإنّ خلود ثورة الإمام الحسين إعتمد على عنصر وجود الإمام فيها والذي هو في الواقع تجسّدٌ للحق المطلق، وهذا أمر نلاحظه بشكل واضح في كثير من كلام الإمام (ع) ومن هذه الكلمات قوله : ( إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسد ولا ظالما، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق) حيث نلاحظ الإمام يؤكد في هذه الكلمة على أمور رئيسية:
- أنّ انطلاقة حركته نابعة من حرصه على الإسلام ودين الله، لا طلبا لجاه أو منصب أو طمع دنيوي.
- إشارة الإمام إلى نقطة في غاية الأهمية والتي يجب على جميع المسلمين وعيها، وهي أنّ حركة الإصلاح هذه لا تقتصر على شخص الإمام، وإنّما هي مسألة مفتوحة للجميع، وللجميع أن يساهم فيها، فهي ليست خاصة بمن يدينون للإمام بالإمامة، وإنّما هي عامة لكل من يملك غيرة على دين الله، ولذلك قال الإمام :(فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق)، مشيرا إلى أن قبوله ليس قبولا لشخصه وإنما هو قبول لحق الله عزّ وجل، وكأنما الإمام يريد أن يحرك الناس جميعا إليه، ملفتا المؤمنين إلى ضرورة الإلتفاف حول الحق أينما كان ومع من كان، مع من أحب او مع من لا ألتقي معه في ميولي العاطفية، مادام الموضوع مخلصا لله.
ثمّ أننا إذا انتقلنا إلى جانب آخر حوته ثورة الإمام والذي يعتبر من عناصر خلودها وبقائها، نلتقي مع أصحاب الإمام رضوان الله عليهم، ويكفي الشخص أن يتأمل قليلا في حيثيات وظروف المعركة ليدرك جلالة وعظم أصحاب الإمام، فكم يحتاج الإنسان من شجاعة ليقف أمام جيش جرار يقدر بـ40 ألف جندي أو يزيد، وهو يعلم أنه مقتول لا محالة ..؟!.
إنّ مواجهة الموت المحتوم لتحتاج إلى شجاعة يقل توافرها..، وإلى إيمان قويّ لا يهتز أو يضطرب..، كم نحن صغارا أمام أولئك الأصحاب .. ، إنّ ملاحظة هذه الحيثيات تجعل من أنصار الإمام كبارا في أعيننا، فمن منا يملك شجاعة مواجهة الموت ..؟! ومن منا يمتلك إيمانا بمثل إيمانهم الذي لم يهتز ولم يتخلخل..؟!
إنّ شخصيات أصحاب الإمام إبتنت بشكل قوي، لتكون فيها كل مقومات الثبات على الحق والسير عليه والتي منها:-
- الإيمان القوي والواعي :
يروي لنا أربابا الحديث أنّ الإمام بينما كان يسير والقافلة تسير معه، هوّمت عيناه قليلا ثم انتبه وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون كررها ثلاثا فالتفت إليه إبنه علي الأكبر سائلا إياه: أبتاه لمَ استرجعت ؟! قال الإمام(ع) له : سمعت هاتفا يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم، فقال عليّ الأكبر لوالده: أولسنا على الحق..، فقال له الإمام : بلى والذي إليه مرجع العباد . فقال الأكبر: إذن والله لا نبالي .. أوقع الموت علينا أم وقعنا عليه.
كم تجسدُ هذه الكلمات عمق الإيمان والقناعة.. ، كلمة أطلقها عليّ وهو في ريعان شبابه وما يعني الشباب من إقبال على الدنيا وما فيها، لتكون كلمته خالدة لكل من يريد أن يسير في خط الله، وهكذا هي الصورة الإيمانية التي يريدها الله عزّ وجل، الإيمان الذي لا يختلف ولا يتبدل رغم تبدل الظروف وصعوبة الحياة.
- التضحية والتفاني في جنب الله :
إنّ الإنسان قد يمتلك الإيمان الجيد ولكن لا يمتلك الشجاعة الكافية في بذل نفسه في جنب الله، لأنّ التضحية تتطلب أن نكون في مراتب الإيمان العليا، وأن نرى بعين اليقين ما وعده الله حقا.
دعونا نقف مع أنصار الإمام لنكتشف كم نحن بعيدون عن مراتب الإيمان التي وصلوا إليها، ففي ليلة العاشر من المحرم جمع الإمام (ع) أصحابه فخطب فيهم قائلا: أما بعد فإني لا أرى أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني لا أظن يوما لنا من هؤلاء ، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حلّ ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا .. .
دعونا نتخيل انفسنا في وسط كل تلك الظروف التي يعيشها أولئك .. الموت يحدق بهم من كلّ جانب ثمّ يأتي خيار للفرار من كلّ ذلك والتمتع بالحياة في براءة أمام الله ..، هل نثبت ونبكي مع من بكوا منهم على الحسين (ع)، أم نفر من الموت؟! هل أنّ إيماننا قويّ بما يكفي للثبات ..؟!
( لنمنح أنفسنا لحظة نفكر في ذلك …)
ولنستمع لما أجاب الأنصار به الإمام الحسين (ع):
قام من ضمن من قام مسلم بن عوسجه بقلب يملؤه الحماس وحب الحسين الذي هو حب لله فقال : أنحن نخلي عنك وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك، أما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة والله لا نخليلك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك أما والله لو قد علمت أني أقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى ثم اذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا .. .
نعم إنّه الكرامة التي يقصدها كلّ مؤمن ومؤمنة..، والشهادة تختصر الطريق للمؤمن لتوصله إلى الكرامة والسعادة الأخروية التي لا انقضاء لها، وذلك لا يكون إلا بالشجاعة ..، وليست أيّ شجاعة وإنما الشجاعة التي لا تهاب الموت ولا تخاف منه، مادام ذلك في سبيل الله.
فسلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أنصار الحسين